البيئة في خطاب العرش: و ماذا بعد؟
كتبهاأبو هالة ، في 23 أغسطس 2009 الساعة: 13:51 م
خطاب العرش لسنة 2009 له مميزات كثيرة و من أهمها تخصيصه لفقرة كاملة للبيئة و التنمية المستدامة. لأول مرة في تاريخ خطابات العرش يتم التطرق للشأن البيئي بهذا الوضوح في تشخيص الاختلالات البيئية و تسطير الأهداف و الآليات المستقبلية للنهوض بالشأن البيئي.
يأتي خطاب سنة 2009 بعد مرور العشرية الأولى لتولي الملك العرش و بعد مرور 17 سنة على ترأس جلالته و هو وليا للعهد الوفد المغربي الذي شارك في قمة الأرض لسنة 1992 بريو دي جانيرو بالبرازيل و هي القمة التي شكلت منعرجا تاريخيا و منطلقا قويا للمنظومة العالمية للاهتمام بالبيئة و تبني فلسفة التنمية المستدامة من خلال تبني أهم و أشمل الاتفاقيات البيئية.
الفقرة المخصصة للبيئة جاءت مباشرة بعد فقرة يتحدث فيها الملك عن دعوة جلالته "الالتزام بحسن تدبير الشأن العام بما ينطوي عليه من تخليق و حماية للمال العام و محاربة لكل الممارسات الريعية و الامتيازات اللامشروعة". فهل هي إشارة إلى الاستغلال اللامشروع للثروات الطبيعية للبلاد من غابات و مقالع للرمال على طول السواحل و مجاري الوديان و منابع للمياه و ما لذلك من تدمير و تخريب لمجالات و منظومات إيكولوجية و طبيعية مهمة. أما المحور الذي تلا مباشرة الفقرة المخصصة للبيئة فيتعلق بنظام التربية و التعليم و ليس خافيا على أحد أهمية و محورية التعليم في تحقيق أي إقلاع مستدام للبلاد.
يمكن استنتاج أهم ما جاء في الخطاب الملكي حول الشأن البيئي كالتالي:
1. المغرب كبلد سائر في طريق النمو من حقه المضي قدما في تحقيق التنمية لكن ليس على حساب ثرواته و مجالاته الطبيعية و حق الأجيال الحالية و القادمة في الاستفادة منها بعدالة.
2. لتحقيق التنمية المستدامة مستقبلا يجب نهج سياسة متدرجة أي أن إرساء أسس التنمية المستدامة يتطلب التدرج سواء على مستوى سن القوانين و تطبيقها أو تقوية المؤسسات الإدارية المعنية و كذا تقنين و مأسسة و تفعيل آليات و أجهزة المراقبة مع ما يتطلب ذلك من ترسانة قانونية و موارد بشرية و مالية. و حول هذه النقطة من حق أي مهتم أن يطرح السؤال حول خطورة التجاوزات و الخروقات التي مست و لازالت و سوف تمس الوسط الطبيعي للمغرب برا و بحرا و ماء و هواء خلال الخمسين سنة الماضية و السنوات القادمة؟.
3. إضافة إلى اعتبار التدرج و ارتباطه بالزمن فقد تم التأكيد في الخطاب الملكي على أنها "سياسة تأهيلية شاملة" أي ما معناه أنه لا بد من المرور عبر مرحلة تأهيل الفاعلين الاقتصاديين في شتى مجالات اشتغالهم و هذا سوف يقودنا حتما إلى استهلاك المزيد من الوقت.
4. إن أهم منتوج تجسيدي للإرادة الملكية للنهوض بالشؤون البيئية هو "دعوة الحكومة إلى إعداد مشروع ميثاق وطني شامل للبيئة " و "اعتبارا لكون البيئة رصيدا مشتركا للأمة". إنها فعلا مصطلحات و كلمات قوية جدا يستعملها الملك حين تطرقه للشأن البيئي. فهل تستوعب الحكومة و باقي الفاعلين الحمولة القوية لهذه المصطلحات؟. إن السؤال هنا هو ما هي المنهجية التي ستتبع لكي يصبح مشروع الميثاق ميثاقا و ما هي الطبيعة القانونية التي سيتم إلباسها لهذا الميثاق ؟. هل سيأخذ صبغة قانون أم سيتم إلحاقه بالدستور كما هو الشأن في فرنسا أم سيكون مرحلة انتقالية لنصل في النهاية إلى التنصيص في الدستور صراحة على الحق في البيئة السليمة و التنمية المستدامة كما هو الشأن في دول عدة من دول العالم؟.
5. أما الجملة الأخيرة من الفقرة المخصصة للبيئة فهي واضحة جدا و يأمر من خلالها الملك "السلطات العمومية أن تأخذ بعين الاعتبار في كناش تحملات المشاريع الإنمائية عنصر المحافظة على البيئة". لقد قال الملك "و في جميع الأحوال" أي أنه ليس هناك استثناءات سواء تعلق الأمر بأصحاب المشاريع أو نوعيتها أو مكان تشييدها. و بهذا الخصوص تجدر الإشارة إلى وجود قانون لتنفيذ هذه التعليمات الواضحة و يتعلق الأمر بالقانون رقم 12-03 حول دراسات التأثير على البيئة الصادر في ماي 2003 و النصوص التطبيقية له الخاصة بتنظيم و اشتغال اللجنة الوطنية و اللجان الجهوية لدراسات التأثير على البيئية و البحث العمومي المصاحب لذلك و ما له من فضل في إخبار و استقبال ملاحظات الساكنة المعنية جغرافيا بالمشروع. هذه اللجان يقوم بكتابتها الدائمة قطاع البيئة و يترأسها مركزيا الوزير المكلف بالبيئة أما جهويا فيترأسها السادة الولاة. بعض هؤلاء الولاة لازالوا يتلكؤون للتوقيع على القرار الولائي المحدث لهذه اللجان الجهوية و بالتالي تعطيل تفعيلها.
إن الاهتمام بالبيئة و التنمية المستدامة لم يعد يتحمل التأخير و لو لنصف سنة. لقد تم تدمير مجالات بيئية تطلب صنعها قرونا و قرونا و يمكن ذكر هنا ما وقع و يقع من تدمير للساحل من خلال نهب الرمال و بناء مشاريع صناعية و سياحية و مساكن دون مراعاة الاعتبارات البيئية، بعضها تم على حساب مساحات غابوية من شجر الأركان و مناطق رطبة متميزة. لقد اختفت شواطئ بأكملها كما هو الشأن على الشريط الساحلي المتوسطي.
و للنهوض بالشؤون البيئية لا بد أولا من تقوية المؤسسة الحكومية المكلفة بالبيئة بشريا و ماليا، مركزيا و جهويا و إقليميا. لا بد أيضا من تجميع جميع مكونات البيئة في مؤسسة واحدة قوية و مسؤولة.
إن أهم أهداف إعداد مشروع ميثاق وطني شامل للبيئة الذي طالب به الملك هو أن تفتح أوراش كبرى للنقاش و المصارحة حول الإشكاليات و التحديات البيئية يتم تجنيد جميع وسائل التواصل و الإخبار الوطنية العمومية و الخاصة من تلفزيون و إذاعة و صحافة مكتوبة و إنترنيت، و كذا تعبئة جميع الطاقات البشرية الصادقة من أحزاب و مجتمع مدني و باحثين و مواطنين.
يأتي الخطاب الملكي و المؤسسة الحكومية المكلفة بالبيئة قطعت أشواطا مهمة في مسار إعادة الهيكلة التنظيمية لقطاع البيئة. فهل تتحمل الحكومة و الوزير الأول و البرلمان مسؤولياتهم التاريخية من أجل المصادقة العاجلة على هيكلة تنظيمية لقطاع البيئة قوية مركزيا و جهويا و إقليميا و مده بالموارد المالية و البشرية اللازمة من خلال منحه مناصب شغل كافية ليلتحق به المزيد من الأطر ذوو الاختصاصات العلمية المناسبة؟. كما أن الوزراء مطالبون بتسهيل التحاق الأطر من مختلف الوزارات بقطاع البيئة الراغبين في ذلك و هم كثيرون لكن مصحوبين بمناصبهم المالية في إطار تفعيل سياسة إعادة انتشار الموظفين.
أطر قطاع البيئة مطالبون بدورهم ركوب التحدي من خلال عملهم على إبداع برامج و مبادرات بيئية و مشاريع و إنجازات ميدانية فعالة و فاعلة و جريئة و الدفع قدما بمسطرة المراقبة التي بدونها لن يكون هناك وجود لشيء اسمه الشأن البيئي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























