" و إن المغرب ، وهو يواجه ، كسائر البلدان النامية ، تحديات تنموية حاسمة وذات أسبقية ، فإنه يستحضر ضرورة الحفاظ على المتطلبات البيئية.
والتزاما منه بذلك ، نؤكد وجوب انتهاج سياسة متدرجة وتأهيلية شاملة ، اقتصادا وتوعية ، ودعما من الشركاء الجهويين والدوليين. وفي هذا الصدد ، نوجه الحكومة إلى إعداد مشروع ميثاق وطني شامل للبيئة يستهدف الحفاظ على مجالاتها ومحمياتها ومواردها الطبيعية ، ضمن تنمية مستدامة.
كما يتوخى صيانة معالمها الحضارية ومآثرها التاريخية ، باعتبار البيئة رصيدا مشتركا للأمة ، ومسؤولية جماعية لأجيالها الحاضرة والمقبلة.
وفي جميع الأحوال ، يتعين على السلطات العمومية أن تأخذ بعين الاعتبار ، في كناش تحملات المشاريع الإنمائية ، عنصر المحافظة على البيئة."
من الخطاب السامي الذي وجهه صاحب الجلالة الملك محمد السادس إلى الأمة بمناسبة الذكرى العاشرة لاعتلاء جلالته العرش
—————————————————————————————
النص الكامل للخطاب السامي :
الحمد لله ، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه.
شعبي العزيز ، نخلد اليوم الذكرى العاشرة لاعتلائنا العرش. وهي مناسبة جديرة بأن نجعل منها لحظة قوية للوقوف الموضوعي على أحوال الأمة ، واستشراف مستقبلها.
ومن هذا المنطلق ، أشاطرك الاقتناع بأن المغرب قد قطع أشواطا كبرى ، في البناء الديمقراطي التنموي ، شكلت منعطفا هاما في تاريخه. وبروح المسؤولية ، أصارحك بأن ما اعترض هذا المسار من عوائق واختلالات ، يتطلب الانكباب الجاد على إزاحتها وتصحيحها لاستكمال بناء مغرب الوحدة والديمقراطية والتنمية وتأهيل بلادنا ، لرفع تحديات سياق عالمي ، مشحون بشتى الإكراهات والتحولات.
سبيلنا إلى ذلك ، الإسراع بوتيرة الأوراش الإنمائية وتعزيزها بإصلاحات جديدة ، وتدبيرها بالحكامة الجيدة.
ومهما كان الطريق شاقا وطويلا ، فإنه لن يزيدنا إلا إصرارا على المضي قدما ببلادنا على درب التقدم. عمادنا في ذلك ثوابت وطنية راسخة ، لم نفتأ نتعهدها بالتجديد.
وفي صدارتها وحدة الإسلام السني المالكي الذي نتقلد ، كأمير للمؤمنين ، أمانة تحديث صرحه المؤسسي وفضائه العلمي. غايتنا تحصين اعتداله وتسامحه من التطرف والانغلاق ، وترسيخ تعايش عقيدتنا السمحة مع مختلف الديانات والثقافات.
وبنفس العزم ، نحرص على توطيد وحدة الهوية المغربية ، جاعلين من إعادة الاعتبار لروافدها المتعددة ، مصدر غنى وقوة لوحدتنا الوطنية. كما عززنا الإجماع الوطني ، حول صيانة الوحدة الترابية باقتراح مبادرة الحكم الذاتي ، بعمقها الديمقراطي ، وأفقها المغاربي.
وباعتبار الملكية قطب الرحى للثوابت الوطنية ، فقد أضفينا عليها طابع المواطنة.
وذلك بترسيخ دولة الحق والقانون ، وديمقراطية المشاركة ، وانتهاج الحكامة الجيدة ، وسياسة القرب ، وكذا بإنصاف المرأة والفئات والجهات المحرومة.
كما كرسنا جوهرها كملكية ملتحمة بكل مكونات الأمة ، متسامية عن النزعات والفئات ، ملتزمة بالنهوض بالمسؤولية الريادية والقيادية للعرش ، في الائتمان على القضايا العليا للوطن والمواطنين والانتصار للتقدم.
وتجسيدا لهذا التوجه ، عملنا على أن يكون المواطن هو الفاعل والمحرك ، والغاية من كل مبادراتنا ومشاريعنا الإصلاحية والتنموية. ومن ثم ، كان إطلاقنا للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية. وإن ارتياحنا لنتائجها الأولى ، لا يعادله إلا عزمنا على التصدي لما قد يعترضها من صعوبات وعوائق.
لذا ، قررنا إعطاء دفعة جديدة وقوية لهذا الورش الدائم ، انطلاقا من توجيهاتنا التالية : أولا : توخي المزيد من النجاعة والمكتسبات. ولأجل ذلك ، ندعو كافة الفاعلين عند إعداد مشاريعها إلى مراعاة نوعيتها واستمراريتها ، والتقائها مع مختلف البرامج القطاعية ، ومخططات التنمية الجماعية.
ثانيا : ضرورة إخضاع مشاريعها للتقييم والمراقبة ، والأخذ بتوصيات المرصد الوطني لهذه المبادرة.
ثالثا : التركيز على المشاريع الصغرى الموفرة لفرص الشغل وللدخل القار ، لاسيما في هذه الظرفية الاقتصادية الصعبة.
شعبي العزيز ، إن منظورنا المتكامل للتنمية الشاملة ، يقوم على تلازم رفع معدلات النمو ، مع التوزيع العادل لثماره. وعلى جعل التماسك الاجتماعي ، الغاية المثلى للتنمية البشرية والنجاعة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق ، عملنا على تزويد المغرب بالبنية التحتية اللازمة لتقدمه وإطلاق مشاريع هيكلية كبرى.
وانتهاج استراتيجيات طموحة ، للقطاعات التي تشكل الركائز الأساسية والمستقبلية لاقتصادنا ، كالسياحة والصناعة والسكن والطاقة والموارد المائية ، وكذا القطاع الحيوي للفلاحة ، بإطلاق مخطط المغرب الأخضر.
وإننا لنجدد حمدنا لله تعالى ، على ما جاد به علينا ، من موسم فلاحي جيد ، خفف من وطأة الظرفية الاقتصادية الصعبة على بلادنا ، وخاصة العالم القروي.
وبفضل صواب اختياراتنا ، ونجاعة برامجنا الإصلاحية ، وترسيخنا للتضامن الاجتماعي والمجالي ، استطاعت بلادنا أن تواجه ، نسبيا ، التداعيات الاقتصادية والاجتماعية ، لأزمة مالية عالمية عصيبة.
بيد أن ذلك لا ينبغي أن يحجب عنا ما أبانت عنه هذه الأزمة غير المسبوقة ، من اختلالات هيكلية ، ومن مضاعفة حدة بعضها. لذا ، ندعو إلى تعبئة جماعية لكل السلطات والفعاليات ، من أجل تقويمها ، بما تقتضيه الظرفيات الصعبة ، من إرادة قوية ، ومن ابتكار للحلول الشجاعة. بعيدا عن كل أشكال السلبية والانتظارية ، والتدابير الترقيعية.
وفي هذا الصدد ، نحث الحكومة على مضاعفة جهودها ، ببلورة مخططات وقائية واستباقية ومقدامة ، للتحفيز الاقتصادي ، وتوفير الحماية الاجتماعية.
وبقدر ما نحن مؤتمنون على مقدساتنا الدينية والوطنية ، فإننا حريصون على التزام الجميع بثوابت اقتصادية واجتماعية ، تعد من صميم الحكامة التنموية الجيدة ، التي يتعين التشبث بها ، في جميع الأحوال ، ولاسيما في مواجهة الظرفيات الدقيقة.
فعلى الصعيد الاقتصادي ، يجب التحلي باليقظة الدائمة في مواجهة التقلبات الاقتصادية الدولية ، والحزم في الحفاظ على التوازنات الأساسية؛ باعتبارها ثمرة إصلاحات هيكلية ، ومجهودا جماعيا لكافة مكونات الأمة ، لا يجوز التفريط فيها ، مهما كانت الإكراهات.
كما ينبغي انتهاج أنجع السبل ، الكفيلة بضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، وإحكام التنسيق ، والأخذ بالتقييم المستمر للسياسات العمومية ، وذلك في تفاعل مع التحولات الدولية ، وانفتاح إيجابي على العولمة.
فالأزمة ، مهما كان حجمها ، لا ينبغي أن تكون مدعاة للانكماش. وإنما يتعين أن تشكل حافزا على الاجتهاد ، لأنها تحمل في طياتها فرصا يجب العمل على استثمارها.
وذلك بمبادرات اقتصادية مقدامة ، تتوخى تعزيز الموقع الاقتصادي الجهوي والعالمي للمغرب.
ولهذه الغاية ، ندعو للتفاعل المجدي بين مختلف المخططات ، قصد الرفع من جودة وتنافسية المنتوج المغربي ، بما يكفل إنعاش الصادرات ، وبما يقتضيه الأمر من حفاظ على التوازنات المالية الخارجية ، وما يستلزمه من العمل على استثمار رصيدنا في المبادلات التجارية ، على أفضل وجه.
وتعزيزا للمناخ الاقتصادي الملائم للاستثمار والتنمية ، يتعين الالتزام بحسن تدبير الشأن العام ، بما ينطوي عليه من تخليق وحماية للمال العام ، من كل أشكال الهدر والتبذير ، ومحاربة لكل الممارسات الريعية ، والامتيازات اللامشروعة.
وإن المغرب ، وهو يواجه ، كسائر البلدان النامية ، تحديات تنموية حاسمة وذات أسبقية ، فإنه يستحضر ضرورة الحفاظ على المتطلبات البيئية.
والتزاما منه بذلك ، نؤكد وجوب انتهاج سياسة متدرجة وتأهيلية شاملة ، اقتصادا وتوعية ، ودعما من الشركاء الجهويين والدوليين. وفي هذا الصدد ، نوجه الحكومة إلى إعداد مشروع ميثاق وطني شامل للبيئة يستهدف الحفاظ على مجالاتها ومحمياتها ومواردها الطبيعية ، ضمن تنمية مستدامة.
كما يتوخى صيانة معالمها الحضارية ومآثرها التاريخية ، باعتبار البيئة رصيدا مشتركا للأمة ، ومسؤولية جماعية لأجيالها الحاضرة والمقبلة.
وفي جميع الأحوال ، يتعين على السلطات العمومية أن تأخذ بعين الاعتبار ، في كناش تحملات المشاريع الإنمائية ، عنصر المحافظة على البيئة.
ويشكل الإصلاح القويم لنظام التربية والتعليم والتكوين ، المسار الحاسم لرفع التحدي التنموي. فعلى الجميع أن يستشعر أن الأمر لا يتعلق بمجرد إصلاح قطاعي ، وإنما بمعركة مصيرية لرفع هذا التحدي الحيوي. سبيلنا إلى ذلك الارتقاء بالبحث والابتكار وتأهيل مواردنا البشرية ، التي هي رصيدنا الأساسي لترسيخ تكافؤ الفرص ، وبناء مجتمع واقتصاد المعرفة ، وتوفير الشغل المنتج لشبابنا.
وبموازاة المجال الاقتصادي ، يعد الجانب الاجتماعي ركيزة أساسية ، لما نقوده ونتابعه ميدانيا من أوراش تنموية في كافة ربوع المملكة. وفي هذا الإطار ، نعتبر أن توطيد العدالة الاجتماعية يشكل قوام مذهبنا في الحكم.
ومن هنا ندعو الحكومة لتجسيد هذا التوجه الراسخ ، وذلك بإعطاء
المزيد